سيد محمد طنطاوي
60
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
منها ، وللمسلم أن يصلى بهذا الوضوء ما شاء من الفرائض والنوافل . قالوا : ومما يشهد بأن الوضوء وسيلة لعبادة ظاهر قوله - تعالى - * ( إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ) * فإنه يدل على أن الصلاة هي المقصودة وهي الغاية أما الوضوء فقد شرع ليكون سبيلا إليها . ثانيا : قوله * ( فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ) * اتفق الفقهاء على وجوب غسل الوجه إلا أنهم اختلفوا في دخول المضمضة والاستنشاق فيه . فجمهور الفقهاء اتفقوا على أنهما لا يدخلان في غسل الوجه ، بل هما سنتان كان يفعلهما النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم وأصحابه قبل غسل الوجه . وقال بعض الفقهاء : المضمضة والاستنشاق داخلان في الغسل . ثالثا : أخذ كثير من الفقهاء من قوله - تعالى - * ( إِلَى الْمَرافِقِ ) * . . و * ( إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) * أن المرافق داخلة مع اليدين في وجوب الغسل ، وأن الكعبين داخلان مع الرجلين في وجوب الغسل . قالوا : لأن * ( إِلَى ) * هنا بمعنى مع ، ولأن بعض علماء اللغة وعلى رأسهم سيبويه قد قرروا أن ما بعد إلى إذا كان من نوع ما قبلها دخل في الحد ، وإذا لم يكن من نوعه لم يدخل . وهنا ما بعد إلى من نوع ما قبلها فوجب دخوله في الحد . ولأن جعل ما قبل المرفقين حدا ، لا يصلح أن يكون علامة واضحة على ذلك ، ومن شأن العلامات أن تكون واضحة وهذا لا يتأتى إلا بغسل المرفقين والكعبين . وفضلا عن كل ذلك فالمعروف من وضوء النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم أنه كان يغسل المرفقين والكعبين . قال القرطبي : وهذا هو الصحيح لما رواه الدّارقطنيّ عن جابر أن النبي صلى اللَّه عليه وسلَّم كان إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه » . ويرى بعض الفقهاء أن غسل المرفقين والكعبين مستحب ، لأن الغاية من قوله : * ( إِلَى الْمَرافِقِ ) * و * ( إِلَى الْكَعْبَيْنِ ) * تحتمل أن تدخل المرافق والكعبين في الوجوب وتحتمل عدم الدخول ، ولا وجوب مع الاحتمال . وقد أشار صاحب الكشاف إلى هذه المسألة بقوله : قوله * ( إِلَى الْمَرافِقِ ) * تفيد معنى الغاية مطلقا . فأما دخولها في الحكم وخروجها ، فأمر يدور مع الدليل . فمما فيه دليل على الخروج قوله : فَنَظِرَةٌ إِلى مَيْسَرَةٍ لأن الإعسار علة الإنظار . وبوجود الميسرة تزول العلة . ولو دخلت الميسرة فيه لكان منظرا في كلتا الحالتين معسرا وموسرا . وكذلك ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ لو دخل الليل لوجب الوصال في الصوم . ومما فيه دليل على الدخول قولك : حفظت القرآن من أوله إلى آخره - لأن الكلام مسوق لحفظ القرآن كله . ومنه قوله - تعالى - : مِنَ الْمَسْجِدِ